ابن هشام الأنصاري

270

شرح قطر الندى وبل الصدى

ومثال ذلك في التمييز قوله تعالى : إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً « 1 » وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ ، فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً « 2 » وقول أبي طالب :

--> - الإعراب : « تضيء » فعل مضارع ، مرفوع بالضمة الظاهرة ، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي « في وجه » جار ومجرور متعلق بتضيء ، ووجه مضاف و « الظلام » مضاف إليه ، مجرور بالكسرة الظاهرة « منيرة » حال من فاعل تضيء المستتر فيه « كجمانة » جار ومجرور متعلق بمحذوف : إما حال ثانية من فاعل تضيء ، وإما خبر مبتدأ محذوف تقديره : هي كجمانة ، وجمانة مضاف ، و « البحري » مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة « سل » فعل ماض مبني للمجهول « نظامها » نظام : نائب فاعل سل ، مرفوع بالضمة الظاهرة ، ونظام مضاف وضمير الغائبة العائد إلى جمانة البحري مضاف إليه ، وجملة سل ونائب فاعله في محل نصب حال على تقدير قد عند جمهور البصريين . الشاهد فيه : قوله « منيرة » فإنه حال من فاعل تضيء ، على ما عرفت في الإعراب ، ومعنى هذا الحال قد فهم من قوله « تضيء » لأن الإضاءة والإنارة بمعنى واحد تقريبا ؛ فتكون هذه الحال مؤكدة لعاملها ، والحال المؤكدة لعاملها أحد ثلاثة أنواع للحال المؤكدة . ونظير هذا البيت الآيات الأربع الكريمة التي تلاها الشارح ، فإن مُفْسِدِينَ في الآية الأولى حال من الواو في تَعْثَوْا وقد فهم معنى الحال من هذا الفعل وهو عاملها ، و مُدْبِرِينَ في الآية الثانية حال من التاء في تَوَلَّيْتُمْ وقد فهم معنى الحال من هذا الفعل وهو العامل فيها ، و حَيًّا في الآية الثالثة حال من الضمير المستتر في أُبْعَثُ وقد فهم معنى هذا الحال من الفعل وهو ( أبعث ) وهو العامل فيها ، و ضاحِكاً في الآية الرابعة حال من الضمير المستتر في ( تبسم ) وقد فهم معنى الحال من هذا الفعل الذي هو العامل فيها ، فالحال في كل هذه الأمثلة مؤكدة لعاملها . وقد تكون الحال مؤكدة لصاحبها نحو قوله تعالى : لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً فإن قوله سبحانه جَمِيعاً حال من مَنْ فِي الْأَرْضِ وقد فهم معنى الحال منه ، وهو صاحبها ، ومثله قولهم « جاء الناس قاطبة » . وقد تكون الحال مؤكدة لمضمون جملة قبلها مركبة من اسمين جامدين معرفتين نحو « زيد أبوك عطوفا » ونحو قول سالم بن دارة : أنا ابن دارة معروفا بها نسبي * وهل بدارة يا للنّاس من عار ( 1 ) من الآية 36 من سورة التوبة . ( 2 ) من الآية 142 من سورة الأعراف . واعلم أن تأكيد التمييز في الآيتين الكريمتين ليس كتأكيد الحال ؛ فإنك قد عرفت أن الحال قد يكون مؤكدا لعامله نحو فَتَبَسَّمَ ضاحِكاً أما التمييز فلا يكون مؤكدا لعامله ؛ لأن شَهْراً في الآية الكريمة تمييز لقوله سبحانه : اثْنا عَشَرَ وهو العامل في التمييز ، وليس التمييز مؤكدا للاثني عشر ، بل هو مبين له ، وإنما هو مؤكد لقوله سبحانه : إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ وليس هو العامل فيه ، وكذلك الآية الثانية ، وقد أشرنا إلى ذلك فيما مضى .